ابن تيميه
83
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وكذلك إذا وصف صلى اللّه عليه وسلّم بأنه أمّيّ كما وصفه اللّه بذلك ؛ فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه ، وقاعدة معجزته ، إذ معجزته العظيمة من القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم ، مع ما منح صلى اللّه عليه وسلّم وفضّل به من ذلك ، كما قدمناه في القسم الأول . ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقّن بمقتضى العجب ، ومنتهى العبر ، ومعجزة البشر . وليس ذلك نقيصة ، إذ المطلوب من الكتابة والقراءة ؛ المعرفة ، وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها مرادة في نفسها ، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب ؛ والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة . فسبحان من باين أمره من أمر غيره ، وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه ، وحياته فيما فيه هلاك من عداه . وهكذا شقّ قلبه وإخراج حشوته ، كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه ، وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه ، وهلم جرا ، إلى سائر ما روي من أخباره صلى اللّه عليه وسلّم وسيره ، وتقلله من الدنيا ، ومن الملبس والمطعم والمركب ، وتواضعه ، ومهنته نفسه في أموره ، وخدمة بيته ، زهدا ورغبة عن الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها ، لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها ، كل هذا من فضائله صلى اللّه عليه وسلّم ومآثره وشرفه ، كما ذكرناه . فمن أورد شيئا من ذلك موارده وقصد به مقصده كان حسنا . ومن أورد ذلك على غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التي قدمناها . هذا كلام القاضي عياض رحمه اللّه تعالى يفرق فيما يظن أن فيه غضاضة ونقصا وعيبا وليس هو في نفس الأمر كذلك ، وبين من يذكره على وجهه لبيان العلم والدين ومعرفة حقائق الأمور ، وبين من يقصد به العيب والإزراء وإن كان لا عيب في ذلك ، بل هو من الفضائل والمناقب وهكذا سائر ما فيه هذا . [ أفضل الناس مع أنبيائهم هم الصحابة ] وحينئذ فأعظم أحوال الناس مع الأنبياء وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لا سيما أبو بكر وعمر ، وهو تصديقه في كل ما يخبر به من الغيب ، وطاعته وامتثال أمره في كل ما يوجبه ويأمر به ، وأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وأهله وماله ، وأن يكون اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم أحب إليه مما سواهما ، وأن يتحرّى متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، فيعبد اللّه بما شرّعه وسنّه من واجب ومستحب ، لا يعبده بعبادة نهى عنها ، وببدعة ما أنزل اللّه بها من سلطان ، وإن ظنّ أن في ذلك تعظيما للرسول صلى اللّه عليه وسلّم وتعظيما لقدره ، كما ظنه النصارى في المسيح ، وكما ظنوه في اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، وكما ظن الذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، فإن الأمر بالعكس ؛ بل كل عبد صالح من الملائكة والأنبياء فإنما يحب ما أحبه اللّه من